الأحد، 13 فبراير، 2011

فأعدوا لمثل هذا اليوم ............سلسلة في رحاب الدار الآخرة ( يوم الحساب)( 2)



إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ باللـه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده اللـه فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له .

((يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللـه وَقُولُـوا قَوْلا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُـمْ أَعْمَـالَكُمْ وَيَغْفِــرْ لَكُـمْ ذُنُوبَكُـمْ وَمَـنْ يُطِـعِ اللـه وَرَسُولَـهُ فَقَــدْ فَـازَ فَوْزًا عَظِيمًا )) الأحزاب

أما بعـــد ...

فإن أصدق الحديث كلام اللـه ، وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثــة بدعة وكل بدعــة ضلالة وكل ضلالة فى النار ثم أما بعد ..

وكنا قد توقفنا فى اللقاء الماضى من هى أول أمة سيحاسبها اللـه جل علاه



أولا : من هم أول من يقضى اللـه بينهم يوم القيامة ؟!
قال رسول اللـه كما فى صحيح مسلم من حديث أبى هريرة أنه قال : (( إن أول من يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فَأُتِىَ به ، فَعَرَّفَهُ نعمه فعرفها قال : فما عملت فيها ؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت ، فقال : كذبت ، ولكنك قاتلت لأن يقال : جرئ ، فقد قيل ، ثم أُمِرَ به فَسُحِبَ على وجهه ، حتى أُلقِىَ فى النار ، ورجلُُ تَعَلَّمَ العلم وعلَّمه وقرأ القرآن ، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها ، قال : فما عملت فيها ؟ قال : تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن ، قال : كذبت ، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم ، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ، حتى ألقى فى النار . ورجل وسع اللـه عليه وأعطاه من أصناف المال كله فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال : فما عملت فيها ؟ قال ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك ، قال : كذبت ولكنك فعلت ليقال جواد ، فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه ثم ألقى فى النار)) .






أول من يقضى يوم القيامة عليه

(( رجل استشهد ))

رجل سقط شهيداً فى ميدان القتال ، فى ساحة البطولة والوغى فى ميدان تصمت فيه الألسنة الطويلة ، وتخطب فيه الرماح والسيوف على منابر الرقاب ، يقع شهيداً فى ميدان القتال ، هو من أمة النبى و لكنه ما أراد وجه اللـه ولكنه أراد الثناء من العباد !! فكانت النتيجة ! بل قاتلت ليقال جرئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى فى النار .

((ورجل تعلم العلم وقرأ القرآن))

عالم ملأ المساجد علما وسوَّد صفحات الجرائد والمجلات !! عالم تعلم العلم وعلّم الأنام ولكن أراد الشهرة ، أراد النجومية ، أراد المكانة ، أراد الكرسى الزائل والمنصب الفانى ، أراد الوجاهة !!! ما ابتغى بعلمه وجه الرحمن !! فكانت النتيجة : بل تعلمت ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال قارئ فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقى فى النار .

اللـه أكبر !! عالم تُسعَّر به النار ! قارئ تسعر به النار . ولم لا ؟! وهو قد فقد شرط هام مهم من شروط قبول العمل ، وهو الإخلاص .

((رجل أتاه اللـه أصناف المال ))

مَنَّ اللـه عليه بالأموال فأعطاه وأجزل له العطاء ، ولكن تصدق ليقال جواد ليقال المحسن الكبير !! ليقال المنفق الكبير !! السخى البازل ، وقد قيل ثم أمر به فكانت النتيجة أن سحب على وجهه حتى ألقى فى النار .

سحبوا جميعاً فكبوا فى جهنم ، لأنهم مراؤون بأعمالهم .






اعلموا أن الرياء لغة مشتق من الرؤية ، والرياء شرعاً مشتق من معناه اللغوى ، فمعنى الرياء اصطلاحا أن يبطن العبد خلاف ما يظهر .

حَدُّ الرياء : هو إرادة العباد بطاعة رب العباد جل وعلا .

يامن تعملون ابتغاء مرضاة اللـه ، اسجدوا لله شكراً على هذه النعمة وسلوه التثبيت ، ويامن تعملون العمل لا تبتغوا به مرضاة اللـه ولا تريدون به إلا السمعة والشهرة والمكانة بين الناس ، فاعلموا علم اليقين أن عملكم غير مقبول لأن اللـه لا يقبل إلا العمل الخالص الصواب .

وقال تعالى { فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } الكهف .

وفى الحديث الصحيح الذى رواه مسلم من حديث أبى هريرة أن النبى قال : ((قال اللـه تعالى : أنا أغنى الأغنياء عن الشرك)) وفى لفظ ابن ماجة ((أنا أغنى الشركاء عن الشرك ، من عَمِلَ عَمَلاً أشرك فيه معى غيرى تركته وشركه)) .

وفى لفظ ((فهو للذى أشرك وأنا منه برئ)) .

الرياء خطر عظيم جسيم يدمر الأعمال ويحبطها أسال اللـه العلى العظيم أن يستر علينا وعليكم فى الدنيا والآخرة ، ويرزقنا وإياكم الإخلاص فى القول والعمل ، والسر والعلن ، وأن يجعل سرنا أنقى من علننا وأن يغفر ذنوبنا ، ويصحح نوايانا إنه ولى ذلك والقادر عليه .

أحبتي في الله لنجعل قلوبنا معلقة باللـه ، ونبتغى قول والعمل وجه اللـه ، فلوا اجتمع أهل الأرض بالثناء عليك فلن يقربك ثناءهم زلفى من اللـه إن كنت بعيداً عن اللـه .

ولو اجتمع أهل الأرض بالذم فيك فلن يبعدك زمهم عن اللـه إن كنت قريباً من اللـه ، فما الذى ينفعك من مدح الآنام وأنت مذموم عند رب الآنام ؟‍‍! وما الذى يضرك من ذم الآنام وثناءهم بالشر وأنت مقرب ممدوح من رب الآنام .

فلا ترض الناس بسخط اللـه عليك ، بل أطع اللـه فيهم واتق اللـه فيهم فإن النبى قال : ((من أرضى اللـه بسخط الناس كفاه اللـه الناس ومن أسخط اللـه برضا الناس وكله اللـه إلى الناس)) .

فقد قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّاً } مريم

وداً : أى محبة فى قلوب عباده المؤمنين المخلصين .






ملاحظة : إن عمل العبد عملاً يبتغى به وجه اللـه وتضرع فيه إلى اللـه أن يرزقه فيه الإخلاص ثم أثنى الناس عليه خيراً وجعل اللـه له الثناء الحسن على ألسنة الصادقين من عباده ، وجعل اللـه له المكانة الطيبة فى قلوب المخلصين من عباده وأولياءه فاستبشروا خيراً .

ففى صحيح مسلم عن أبى ذر رضى اللـه عنه قلت يارسول اللـه : أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس فقال : ((تلك عاجل بشرى المسلم)) .

واسمعوا لهذا الحديث الرقراق الرقيق الذى رواه البزار وصححه شيخنا الألبانى فى صحيح الجامع أنه قال : ((مامن عبد إلا وله صيت فى السماء فإن كان صيته فى السماء حسناً وُضع فى الأرض ، وإن كان صيته فى السماء سيئاً وُضع فى الأرض)) .

أى أنه إن كان صيته فى السماء حسناً كان كذلك فى الأرض والعكس ولم لا ؟!! وقد قال النبى كما فى الصحيحين من حديث أبى هريرة : ((أن اللـه إذا أحب عبداً دعا ياجبريل ، فقال: إنى أحب فلاناً فأحبه ، قال : فيحبه جبريل ، ثم ينادى فى السماء فيقول : إن اللـه يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول فى الأرض . وإذا أبغض عبداً دعا جبريل عليه السلام فيقول : إنى أبغض فلاناً فأبغضه ، قال : فيبغضه جبريل ثم ينادى أهل السماء : إن اللـه يبغض فلاناً فأبغضوه ثم توضع له البغضاء فى الأرض)) .






ثانياً : ما هو أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة


ففى الحديث الصحيح الذى رواه أبو داود والنسائى والترمذى وابن ماجة وغيرهم وصحح الحديث شيخنا الألبانى فى صحيح الجامع من حديث أبى هريرة رضى اللـه عنه أن النبى قال : ((إن أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة من عمله صلاته فإن صلحت فقد أفلح وأنجح وإن فسدت فقد خاب وخسر)) .

واللـه إن القلب ليبكى وإن العين لتدمع وإن لما حل بأمة الإسلام لمحزونون ، فواللـه إن فى هذه الأمة من لا يدخل بيت اللـه جل وعلا إلا فى كل جمعة فقط !! ومن لا يدخل إلى بيت اللـه إلا فى العيدين فقط !!

ومن لا يدخل بيت اللـه إلا مرة واحدة لامن أجل أن يُصلِّى ، ولكن من أجل أن يُصلَّىَ عليه !!

الصلاة .. الصلاة .. الصلاة .. آخر وصية لرسول اللـه .

الصلاة ضيعتها الأمة إلا من رحم اللـه . معظم المصلين إلا من رحم اللـه يضيعون الصلاة بعدم الاطمئنان فيها ، ولقد روى البخارى من حديث حذيفة بن اليمان أنه رأى رجلاً يصلى لا يُتِمُّ ركوعه ولا سجوده فلما قضى صلاته قال له حذيفة ما صليت ولو مُتَّ مُتَّ على غير سنة محمد .

فهذا صلى ولكن لم يحسن الركوع والسجود والقيام . فما بالكم بمن ضيع الصلاة ؟!! فما ظنكم بمن ترك الصلاة ؟!!

قال جل فى علاه { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا } مريم

فما هو الغى ؟ قال ابن عباس وعائشة الغى نهر فى جهنم بعيد قعره خبيث طعمه .

ولكن النبى قد ذكر أن اللـه سبحانه سيسأل العبد بعد الصلاة عن أربع كما فى الحديث الصحيح الذى رواه الترمذى والطبرانى فى معجمه والصغير ، والخطيب فى التاريخ ، وصححه شيخنا الألبانى فى السلسلة الصحيحة وصحيح الجامع من حديث عبد اللـه بن مسعود رضى اللـه عنه أن النبى قال : ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه ؟ وعن علمه ما عمل به ؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ؟ وعن جسمه فيما أبلاه ؟ )) .







أولاً :السؤال عن العمر


العمر هو البضاعة ، ورأس المال فمن ضاعت بضاعته ، وانتهى رأس ماله دون أن يحقق الربح فهو من الخاسرين .

قال اللـه تعالى : { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ(115)فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} المؤمنون

أليس ذلك بقادر على أن يبعثهم للوقوف بين يديه للسؤال عما قدموه وعما فعلوه .. للسؤال عن القليل ، والكثير ، صغير أو كبير ، حقير أو عظيم !!


وتمر الأيام مسرعةً ؛ لتنقضي الشهور مودعةً ؛ والسنين تأخذ من أعمارنا وتطوى حياة جيل بعد جيل وبعدها سيقف الجميع بين يدى الملك الجليل .


قال الحسن البصرى رحمه اللـه تعالى : " يا ابن آدم إنما أنت أيام مجموعة فإن مضى يوم مضى بعضك وإن مضى بعضك مضى كلك " .
وكان عبد اللـه بن مسعود رضى اللـه عنه يقول : " واللـه ما ندمت على شئ كندمى على يوم طلعت شمسه نقص فيه أجلى ولم يزد فيه عملى ".
العمر هو البضاعة الحقيقة ، وواللـه ما منحنا هذه البضاعة الكريمة للهو واللعب والملزات والشهوات ، واللـه ما للهو خلقنا بل خلقنا لغاية كريمة ولغاية عظيمة .
قال جل وعلا : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } الذاريات .
هذه هى الغاية التى خلق اللـه لها الخلق
وتذكروا وصية الحبيب لعبد اللـه بن عمر كما فى صحيح البخارى أنه r أخذ بمنكبى عبد اللـه بن عمر وقال يا عبد اللـه ((كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)).
ما أحوجنا ورب الكعبة لهذه الكلمات ، ونحن نعيش الآن عصراً طغى فيه حب الشهوات وحب الملزات وحب الدنيا ، فإن كثيراً من الناس يُذَكَّر بقول اللـه فلا يتذكر !! ، ويُذَكَّر بحديث رسول اللـه فلا يتحرك قلبه وكأن القلوب تحولت إلى حجارة !!
قال اللـه تعالى : { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ } البقرة
أحبتي في الله لن تتحرك قدمك يوم القيامة حتى تسأل عن عمرك .
فانتبه يا من تغافلتم عن هذه البضاعة ورأس المال الحقيقى الذى تملكه ألا وهو عمرك ، واعلموا يقينا أن كل يوم يمر عليك يبعدك عن الدنيا يوما ويقربك من الآخرة يوماً .



 


ثانياً : عن علمه ماذا عمل به ؟!


اعلموا يقينا أنكم ستسألون عن كل كلمة استمعتم إليها فى خطبة جمعة ، أو محاضرة أوفى كتاب ، ستسألون عن علمكم الذى تعلمتم ، ماذا عملتم به ؟؟

قال تعالى : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ(2)كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ } الصف.

أسأل اللـه أن يرزقنا الصدق ، والإخلاص فى القول ، والعمل .

العلم أغلى ما يطلب فى هذه الحياة بلا شك ، ولا نزاع فلا سبيل إلى معرفة اللـه ، ولا سبيل إلى الوصول إلى رضوان اللـه فى الدنيا والآخرة إلا بالعلم الشرعى ، العلم يبذل له المال ، العلم يبذل له العمر ، العلم يبذل له الوقت كله ، فإن أغلى ما يضحى له هو العلم ، ولم يأمر اللـه نبيه بطلب الزيادة من شئ إلا من العلم ، كما قال تعالى آمراً نبيه المصطفى : { وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا } طه .

ثم قال { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } فاطر

ثم قال سبحانه: { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } آل عمران .

وفى الصحيحين أن النبى قال : ((من يرد اللـه به خيراً يفقه فى الدين)).

وفى الحديث الذى رواه أبو داود والترمزى وابن ماجه وغيرهم وحسنه شيخنا الألبانى بشواهده من حديث أبى الدرداء رضى اللـه عنه أن النبى قال : ((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل اللـه له به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع ، وإن العالم ليستغفر له كل من فى السموات والأرض حتى الحيتان فى الماء ، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب ، وإن العلماء ورثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً أو درهماً، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر)) .




من أتاه اللـه العلم أتاه الحظ الوافر ، وأتاه الخير كله ، فإن اللـه يعطى الدنيا من يحب ، ومن لم يحب ، ولكن اللـه لا يعطى الدين إلا لمن يحب ، ومن يرد اللـه به خيراً يفقه فى الدين ، قال كما فى صحيح مسلم وغيره : ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له)) .

هذا العلم إن لم يحرك قلبك وجوارحك للعمل ، ولخشية اللـه وتقواه فلا خير فيه ، ولا بركة له .

ما ثمرة العلم إن لم يورثك العمل ؟! ما ثمرة العلم إن لم يقربنا من اللـه سبحانه وتعالى ؟!

إن لم يورثنا هذا العلم خشية اللـه .. إذا لم يورثنا هذا العلم تقوى القلوب .

إن لم يورثنا هذا العلم حُب السنة وبُغض البدعة فما ثمرة هذا العلم ؟!

يقول الإمام الشاطبى فى كتابه القيم الموافقات :

" إن كل علم لا يفيد عملا ليس فى الشرع ما يدل على استحسانه "

قال تعالى : { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ }البقرة .

وفى الصحيحين من حديث اسامة بن زيد ان النبى قال : ((يؤتى بالرجل فيلقى فى النار فتندلق أقتاب بطنه ( أى أمعاءه ) ، فيدور بها كما يدور الحمار فى الرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان مالك ؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول : بلى كنت أمر بالمعروف

ولا أتيه وأنهى عن المنكر وأتيه)).

لذا كان الحبيب المصطقى يستعيذ من علم لا ينفع كما فى صحيح مسلم وسنن الترمذى من حديث زيد بن الأرقم أن النبى كان يقول فى دعاءه (( ... اللـهم إنى أعوذ بك من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع ومن نفس لا تشبع ومن دعوة لا يستجاب لها)) .

إن اللـه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً صواباً ، لذا قال مالك بن دينار : " إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر عن الصفا "





ثالثاً : عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ؟!


المال نعمة من أعظم النعم ، المال زينة الحياة الدنيا مع الأولاد .

قال جل وعلا { الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } الكهف

ولاحظ أن اللـه قدم فى هذه الآية المال على الأولاد ، المال زينة ونعمة عظيمة ، ولكن لا يعرف قدر هذه النعمة إلا من عرف الغاية من المال ، فما أكرمها من نعمة إن حركتها أيدى الصالحين ، والشرفاء .

المال نعمة لا يعرف قدرها إلا صالح تقى عرف الغاية من المال ، وعرف الوظيفة الحقيقية للمال ، وعرف أن المال ظل زائل وعارية مسترجعة .

المال نعمة من اللـه مَنَّ بها عليك ، وزينة زَيَّنَكَ اللـه بها .

ولكن سوف نسأل عن هذا المال كله من أين اكتسبت ؟! وفيما أنفقت ؟! سؤالان يملأن القلب بالخوف والوجل ويجعلان العبد يسأل نفسه ألف مرة قبل أن يحصل على هذا المال .

حاسبوا أنفسكم الآن وقفوا مع أنفسكم موقف صدق ، طَهَّروا أموالكم قبل أن تُسألوا بين يدى اللـه الذى يعلم السر وأخفى ، عن كل ما جمعتم من مال ؟ من أين لكم هذا المال ؟ وفيما أنفق ؟؟

قال رسول الله كما فى الصحيحين : ((لا حسد إلا فى اثنتين رجل أتاه اللـه القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ، ورجل أعطاه اللـه مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار)) .




رابعاً :عن جسمه فيما أبلاه


قال تعالى : { إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} الإسراء

سيسأل الفؤاد والقلب عما وعاه من اعتقاد ، هل امتلأ القلب بحب اللـه وبحب رسول اللـه والمؤمنين وامتلأ فى الوقت ذاته ببغض الشرك والمشركين والباطل والمبطلين ؟! سيسأل السمع عن كل ما سمع سيسأل البصر عن كل ما رأى ، فهل يا ترى لا يسأل العبد بين يدى الرب سبحانه إلا عن هذه الجوارح فحسب ..؟ كلا ‍‍ بل سيسأل الإنسان عن جسمه كله.

سيشهد هذا الجسم كله بما قدم وبما صنع وبما فعل سيشهد السمع والبصر والفؤاء ستشهد الرجل واليد والجوارح عامة قال تعالى : { الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } يس.

وقال اللـه جل وعلا { وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ(19)حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(20)وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فصلت

سيشهد عليكم بدنكم وسوف تسألون عن هذا البدن وعن هذا الجسم فيما أبليته ، هل أبليت جسمك فى عمل الدنيا والآخرة أم فى عمل الدنيا فحسب ؟‍

فلا حرج أن يبلى الإنسان جسمه فى عمل الدنيا وفى عمل الآخرة, والخطأ والحرج أن يفنى وأن يبلى جسمه كله وحياته كلها فى عمل الدنيا ليضيع بذلك حق اللـه وعمل الآخرة ، ياأخى فى اللـه تاجر وعَمَّر وابنى واجمع المال من الحلال لكن لا تنسى حق الكبير المتعال لا تنسى الآخرة .

اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً ، فلا حرج أن تجمع بين الأمرين . قال المصطفى ((اللـهم اصلح لى دينى الذى هو عصمت أمرى وأصلح لى دنياى التى فيها معاشى)) .

فلا تجعل عمرك جله للدنيا وتنسى الآخرة ، ستتمنى يوم القيامة الرجعة والعودة إلى الدنيا لا لتعمل للدنيا مرة أخرى بل لتعمل للآخرة ، قال تعالى : { وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ(97)وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ(98)حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ(99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } المؤمنون .

و تدبروا هذا الحديث الجميل الذى رواه الترمذى وغيره وصحح الحديث الشيخ الألبانى فى صحيح الجامع أنه صلى اللـه عليه وسلم قال : ((من كانت الآخرة همه جعل اللـه غناه فى قلبه وجمع عليه شملهوأتته الدنيا وهى راغبة ، ومن كانت الدنيا همه جعل اللـه فقره بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر اللـه له)) .

أحبتي فلنسأل أنفسنا الآن فيما أبلينا جسمنا فى عمل الدنيا والآخرة أم فى عمل الدنيا ؟‍

هل أبلينا جسمنا فى طاعة اللـه ورسوله أم فى معصية اللـه ورسوله؟

سلوا أنفسكم الآن فيما مضى من عمركم هل سَخَّرتم جسمكم فى طاعة اللـه ورسوله أم سخرته فى معصية اللـه ورسوله ؟

هل أعطاك اللـه نعمة هذا الجسم لنعصى اللـه بها أم لتطيع اللـه بها ؟

واعلموا أن المعصية سبب لكل شقاء وضنك وبلاء فى الدنيا والآخرة والطاعة سبب لكل فلاح وفوز وخير فى الدنيا والآخرة .

قال ابن عباس : " إن للطاعة نوراً فى الوجه ونوراً فى القلب وسعة فى الرزق وقوة فى البدن ومحبة فى قلوب الخلق ، وإن للمعصية سواد فى الوجه وظلمة فى القلب وضيق فى الرزق وضعف فى البدن وبغضاً فى القلوب " .

فهيا بنا نعُد إلى اللـه ونتوب ونستعد للجواب عن هذه الأسئلة الأربعة ، واعلموا علم اليقين أنه لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عن عمره فيما أفناه ؟ وعن علمه ماذا عمل به ؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ؟ وعن جسمه فيما أبلاه ؟!

أسأل اللـه العظيم رب العرش الكريم أن يحسن خاتمتنا . إنه ولى ذلك والقادر عليه .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بصمةالزوار
بارك الله فيكم