السبت، 8 يناير، 2011

فأعدوا لمثل هذا ............ سلسلة في رحاب الدار الآخرة (( الموت )) (1)







الحمد لله الذى أنهى بالموت آمال القياصرة
فنقلهم بالموت من القصور إلى القبور
ومن ضياء المهود إلى ظلمات اللحود ومن ملاعبة الجواري والنساء والغلمان إلى مقاساة الهوام والديدان
ومن التنعم فى ألوان الطعام والشراب إلى التمرغ فى ألوان الوحل والتراب !!
وأشهد أن لا إله إلا اللـه وحده لا شريك له ينادى يوم القيامة بعد فناء خلقه ويقول : أنا الملك ..!! أنا الجبار ..!! أنا المتكبر ..!!

ثم يقول : لمن الملك اليوم ..؟؟! فيجيب على ذاته سبحانه !! لله الواحد القهار .
وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله أدى الأمانة وبلغ الرسالة
ونصح للأمة فكشف اللـه به الغمة ولبى نداء ربه حتى أجاب مناديه ،ومشى طوال أيامه ولياليه على شوك الأسى يخطو على جمر الكيد والعنت
يلتمس الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين ، حتى عَلَّم الجاهل ، وَقوَّم المعوج ، وَأمَّن الخائف ، وطَمْأَن القلق ونشر أضواء الحق والخير والتوحيد والإيمان كما تنشر الشمس ضياءها فى سائر الأكوان .



اللـهم صلى وسلم وزد وبارك عليه رفع اللـه له ذكره وشرح صدره وذكاه ربه على جميع خلقه ومع ذلك خاطبه ربه بقوله :
( إِنَّكَ مَيتُُ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ )الزمر

(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ ) .الحديد

وأكد الحبيب المصطفى هذه الحقيقة فى حديثه الصحيح الذى رواه الترمذى من حديث سهل بن سعد الساعدى رضى اللـه عنه قال (( لو كانت الدنيا تعدل عند اللـه جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء )) رواه الترمذي .
فالدنيا حقيرة عند اللـه أعطاها للمؤمن والكافر على السواء
فلو كانت تزن عند اللـه جناح بعوضة ما سقى منها كافراً قط شربة ماء واحدة
لذا كان المصطفى يوصى أحبابه بعدم الركون والطمأنينة إلى هذه الدار الفانية لا محالة ،
كما أوصى بذلك عبد اللـه بن عمر رضى اللـه عنهما كما فى صحيح البخارى :
(( كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ))
، وكان ابن عمر يقول:
" إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك " .



فالفطناء العقلاء هم الذين عرفوا حقيقة الدار ، فحرثوها وزرعوها ...
وفى الآخرة حصدوها .
فالدنيا مزرعة للآخرة
فتدبر معى هذا الحديث الصحيح الذى رواه البخارى ومسلم من حديث أنس قال النبى :
(( ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كان له به صدقة )) رواه البخاري
وكونوا على يقين جازم بأن الحياة فى هذا الدنيا موقوتة محدودة بأجل
ثم تأتى نهايتها حتماً لابد
فيموت الصالحون .. ويموت الطالحون .. يموت المجاهدون ..
ويموت القاعدون .. يموت المستعلون بالعقيدة .. ويموت المستذلون للعبيد ..
يموت الشرفاء الذين يأبون الضيم ويكرهون الذل ، والجبناء الحريصون على الحياة بأى ثمن .. الكل يموت .
قال اللـه جل وعلا :
( كُل مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26)وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ )الرحمن



أيها الاحباب تذكروا هذه الحقيقة ولا تتغافلوا عنها إذ أن النبى أمرنا أن نكثر من ذكرها
كما فى الحديث الصحيح الذى رواه الترمذى والنسائى والبيهقى والحاكم وغيرهم من حديث ابن عمر أن النبى قال : (( أكثروا من ذكر هادم اللَّذات ( الموت ) )) رواه الترمذي .
إنها الحقيقة التى سماها اللـه فى قرآنه بالحق فقال جل وعلا :
(وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ(19)وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ(20)
وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ) ق
لا إله إلا اللـه ... اللـه أكبر ... اللـه أكبر
إن للموت لسكرات ... هل علمت إن هذه الكلمات قالها حبيب رب الأرض والسموات وهو يحتضر على فراش الموت ؟
روى البخارى عن عائشة رضى اللـه عنها قالت :
مات رسول اللـه صلى الله عليه وسلم بين حاقنتى وذاقنتى وكان بين يديه ركوة ( علبة ) بها ماء
فكان يمد يده فى داخل الماء ويمسح وجهه بأبى هو وأمى ويقول :
(( لا إله إلا اللـه إن للموت لسكرات ))
.هكذا يقول حبيب رب الأرض والسموات إن للموت لسكرات !! حبيب الرحمن يذوق سكرة الموت ، فما بالنا نحن ؟!!
وفى رواية الترمذى كان الحبيب يقول :
(( إن للموت لسكرات وإن للموت لغمرات )) .
وفى رواية كان يدعوا اللـه ويقول :
(( اللـهم أعنِّى على سكرات الموت )) .


( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ )
وما أدراك ما السكرات ..! وما أدراك ما الكربات ..! فى هذه اللحظات يزداد الهم والكرب فى لحظات السكرات
إذا نمت يا ابن آدم على فراش الموت ورأيت فى غرفتك التى أنت فيها دون أن يرى غيرك ،
رأيت شيطاناً جلس عند رأسك يريد الشيطان أن يضلك عن كلمة الإخلاص" لا إله إلا اللـه "، يريد الشيطان أن يصدك عنها ،
يقول لك : مُت يهودياً فإنه خير الأديان ،
يقول لك : مُت نصرانياً فإنه خير الأديان .
واستدل أهل العلم على ذلك بصدر حديث صحيح رواه الإمام مسلم أن رسول اللـه قال :
(( إن الشيطان يُحضِرُ كل شئ لابن آدم ..))
فمن الفتن التى أمرنا النبى أن نستعيذ منها فى قوله :
(( اللهم إنى أعوذ بك من عذاب القبر ومن عذاب جهنم ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال ))
رواه البخاري والنسائي .
فمن فتن الموت أن يأتيك الشيطان ليصدك عن لا إله إلا اللـه ، ليصدك عن كلمة التوحيد ، هذه من الكربات ،
هذه من أشد السكرات على ابن آدم ولا حول ولا قوة إلا باللـه .



هل علمتم أن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل حينما نام على فراش الموت ذهبت إليه الشياطين
لتنادى عليه بهذه الكلمات ، قال عبد اللـه ولده : " حضرت وفاة أبى فنظرت إليـه فإذا هو يغرق ثم يفيق ثم يشير بيده ويتكلم ويقول :
لا بَعْد ..!! لا بَعْد ..!! .
فلما أفاق فى صحوة بين سكرات الموت وكرباته ، قال له ولده عبد اللـه يا أبتى ماذا تقول ؟! تقول لا بعد ، لا بعد ..!!
ما هذا ؟!!
أتدرى ماذا قال إمام أهل السنة ؟؟
قال لولده : يا بنى شيطان جالس عند رأسى عاضٌ على أنامله يقول لى: يا أحمد لو فُتَّنى اليوم ما أدركتك بعد اليوم وأنا أقول له :
لا بعد ، لا بعد حتى أموت على لا إله إلا اللـه .
فإذا كنا حقا من المؤمنين الصادقين .. من الموحدين المخلصين وجاءتك الشياطين ثبتك رب العالمين وأنزل إليك ملائكة التثبيت ،كما فى حديث البراء بن عازب الصحيح
( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ) إبراهيم


قال ابن عباس : القول الثابت هو لا إله إلا اللـه فى الحياة الدنيا وفى الآخرة ويضل اللـه الظالمين ويفعل اللـه ما يشاء
(وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ) ق
والحق أنك تموت واللـه حى لا يموت ، الحق أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب .
( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ )
والحق أن يكون قبرك روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران
( ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * ذلك ما كنت منه تهرب ).
تحيد إلى الطبيب إذا جاءك المرض ، وتحيد إلى الشراب إذا أحسستَ بالظمأ ثم ماذا أيها الوزير والأمير ؟!
ثم ماذا أيها الكبير والصغير ؟! ثم ماذا أيها الغنى والفقير؟!


( كَلا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ*إذا بلغت الروح الترقوة
* وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ) القيامة
من يرقيه ؟!! من يرقى بروحه ؟!! ملائكة الرحمة ؟ أم ملائكة العذاب ؟ .
من يبذل له الرقية ؟ من يبذل له الطب والعلاج ؟! فهو من هو ؟!!
صاحب الجاه والسلطان ! صاحب الأموال والأطيان !
التف حوله الأطباء يريدون شيئاً وملك الملوك أراد شيئاً آخر .

قال تعالى : ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) الأعراف .
( أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ) النساء.
والتف حوله الأطباء مرة أخرى ،كل يبذل له العلاج والرقية !!
ولكن حاروا وداروا !!
اصفر وجهه ، شحب لونه ، بردت أطرافه ، تجعد جلده ، بدأ يشعر بزمهرير قارس يزحف إلى أنامل يديه وقدميه !!
فينظر فى لحظة السكرة والكربة فيرى الغرفة التى هو فيها مرة فضاءً موحشاً ومرة أخرى أضيق من سم الخياط .
وينظر مرة فيجد أهله يبتعدون عنه وأخرى يقتربون منه ، اختلطت عليه الأمور والأوراق !!
من هذا ..؟!! ملك الموت !! ملك الموت عند رأسه ، ومن هؤلاء الذين يتنزلون من السماء ؟!!
إنه يراهم بعينه ، إنهم الملائكة !! يا ترى ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب ؟!!
يا ترى ماذا سيقول ملك الموت ؟!!!
هل سيقول لى الآن يا أيتها الروح الطيبة اخرجى إلى مغفرة من اللـه ورضوان ورب راض غير غضبان ؟!!
أم يقول يا أيتها الروح الخبيثة اخرجى إلى سخط اللـه وعذابه ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بصمةالزوار
بارك الله فيكم