الجمعة، 24 يونيو، 2011

ღ ღ/// فن التدبر " الجزء الثاني " /// ღ ღ




بعد ما تتطرقنا الى المرحلة الاولى من فن التدبر والسبيل اليه

الان نتظرق الى المرحلة الثانية





المرحلة الثانية

القرآن خطاب موجه إلى القلب .


في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال : (ألا وإن فى الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ،
وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا و هي القلب ) .


وما أشبعَ كلمات أحمد بن خضرويه حين قال :
القلوب أوعية فإذا امتلأت من الحق ؛ أظهرت زيادة أنوارها على الجوارح ،
وإذا امتلأت من الباطل ؛ أظهرت زيادة ظلمتها على الجوارح .
وقد وُصفت قراءة الفضيل بن عياض رحمه الله فقيل :
كانت قراءته للقرآن قراءةً حزينة شهية بطيئة مترسلة ، كأنه يخاطب إنساناً .

ومما يوضح لنا أن القلب هو المخاطب بالقرآن أمور منها :
أ‌- أنّ القرآن نزل أولاً على القلب :
يقول الله تعالى :
{وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ 192 نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ 193
عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ 194 بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ 195}
الشعراء [193-195]

فقال : {عَلَى قَلْبِكَ} ولم يقل على سمعك أو بصرك أو ذهنك ونحو ذلك ،
بل {عَلَى قَلْبِكَ} ، وهذا ظاهر الدلالة .

ويقول تعالى : {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ}
(97) سورة البقرة

 


فأول جارحة تخاطب بهذا القرآن هي القلب ، فإن أنصت القلب ؛
أنصتت تبعاً له بقية الجوارح ، وإن أعرض كانت كالرعية بلا راعي .

ولذا هُيئ قلب النبي صلى الله عليه وسلم
لتلقي القرآن قبل نزوله عليه فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:
( أَنَّ رَسُولَ صلى الله عليه وسلم : أَتَاهُ جِبْرِيلُ عليه السلام
وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَأَخَذَهُ فَصَرَعَهُ فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ فَاسْتَخْرَجَ الْقَلْبَ
فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ ... )
رواه مسلم وللبخاري نحوه .

وقد وصف الصحابة حال قلوبهم أولَّ سماعهم للقرآن ،
ففي الصحيحين عن محمد بنجبير بن مطعم عن أبيه قال :
سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية
{أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37)}
سورة الطور ، كاد قلبي أن يطير .




وجاء عن السلف مثل ذلك في أوّل سماعٍ بالقلب للقرآن :
فعن يونس البلخي قال : كان إبراهيم بن أدهم من الأشراف ،
وكان أبوه كثير المال والخدم والمراكب والجنائب والبزاة ،
فبينا إبراهيم في الصيد على فرسه يُركِّضُه إذا هو بصوت من فوقه
يا إبراهيم ما هذا العبث{أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ}
(115) سورة المؤمنون
اتق الله ، عليك بالزاد ليوم الفاقة فنزل عن دابته وأخذ في عمل الآخرة.

ب- كثرة تكرار لفظ القلب في القرآن
بل أُسند إلى القلب في الآيات ما لم يُسند إلى غيره من الجوارح .




إن لفظ القلب والفؤاد والصدر ذكر كثيرا في القران الكريم
وذكر بأوصاف جليلة الأثر جداً ، فمن هذه الأوصاف :
1) وَصْفُ التقوى
{ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ}
(32) الحـج

2) الخشوع
{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ}
(16) سورة الحديد

3 ) الهداية
{وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
(11) سورة التغابن

4) الرأفة والرحمة
{وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً}
(27) الحديد

5) الألفة
{وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ}
(63) الأنفال

6) الانشراح
{أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ}
(22) سورة الزمر

7) السلامة
{إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}
(89) سورة الشعراء

8) الإنابة
{مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ}
(33) سورة ق




9) الطهارة
{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ}
(41) سورة المائدة

10) الربط
{وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ}
(11) سورة الأنفال

11) العقل
{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا }
(46) سورة الحـج

12) الاطمئنان
{الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}
(28) سورة الرعد .

13) تزيين الإيمان
{وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}
(7) الحجرات

14) إنزال السكينة
{هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ }
(4) سورة الفتح

15) الرَّان
{كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}
(14) سورة المطففين

16) الغفلة
{وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا}
(28) سورة الكهف





17) المرض
{فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً}
(10) سورة البقرة

18) الختم
{خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ}
(7) سورة البقرة

19) الرُّعب
{سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ}
(151) سورة آل عمران

20) الزيغ
{رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}
(8) سورة آل عمران

هذه مجموعة من الاوصاف التي وصف بها الله القلب والفؤاد والصدر
وهناك الكثير من هذه الاوصاف
فعلينا ان نتفكَّر في هذه الارتباط الوثيق والميثاق الغليظ بين القرآن والقلب ،
ثم نتأمل في أثر ذلك على قلب .





ج) أنَّ أعظم أثر ٍ للقرآن إنما هو في القلب :
إن أعظم ما يحدثه الإقبال على القرآن هو حياة القلب وصلاحه ،
وأعظم داءٍ يُصاب به المعرض عن القرآن هو موت القلب وقسوته ،
قال تعالى
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}
(37) سورة ق .

وقد نبَّه الله عز وجل على عظم أثر الإعراض عن القرآن ،
وأن ذلك يَحْرِمُ القلبَ من أنوار الوحي فقال تعالى :
( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)
(24) سورة محمد .

وقال الإمام عبد الأعلى التميمي في قوله تعالى
{قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا}
(107) سورة الإسراء
قال : إن من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق أن قد أوتي من العلم
ما لا ينفعه لأن الله نعت أهل العلم فقال :
{يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا} .
وعن ابن مسعود قال : إن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن
ولا تشغلوها بغيره .
واشتهر عن السلف قولهم : إنما العلم الخشية .





وقال الحسن في قوله تعالى :
{بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلا الظَّالِمُونَ}
(49) سورة العنكبوت .

قال : {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} هو القرآن ،
{فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} يعني المؤمنين .
قال ابن كثير : لأنه محفوظ في الصدور ميسر على الألسنة
مهيمن على القلوب معجز لفظا ومعنى

ففي السنن عن عبد الله بن الشِّخير قال :
(رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا وفي صدره أزيز كأزيز المِرجَل من البكاء)
صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم ،
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح : إسناده قوي .

وثبت عند أحمد والنسائي والحاكم وصححاه وقال البوصيري :
هذا إسناد صحيح رجاله ثقات ،
وصححه ابن القيم من حديث أبي ذر رضي الله عنه : أنه صلى الله عليه وسلم
قام بآية يرددها حتى الصباح وهي قوله ( إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ
فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )
(118) المائدة .





د ) المقصود الأعظم من القرآن هو تدبر القلب له .
قال الإمام السيوطي في الإتقان : وتسن القراءة بالتدبر والتفهم فهو المقصود
الأعظم والمطلوب الأهم وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب .

وقد أبان الله عز وجل عن الحكمة من تنزيل هذا الكتاب فقال
( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ )
(29) ص
واللام في قوله (لِّيَدَّبَّرُوا) هي لام العلة ، فهو لن يكون مباركاً مباركةً تامة إلا بالتدبر .

وقال تعالى ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا )
(24) سورة محمد
فإما التدبر أو الأقفال

ولذا ذم النبي صلى الله عليه وسلم من قرأ بعض الآيات ولم يتفكر بقلبه .
فثبت عند ابن حبان في صحيحه وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت :
قال رسول صلى الله عليه وسلم : لقد أنزلت على الليلة آية ؛ ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ}
الآيات من آخر سورة آل عمران .

تابعوني من المرحلة الثالثة والاخيرة


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بصمةالزوار
بارك الله فيكم