الأربعاء، 10 أكتوبر، 2012

جهاد النفس " الهوى "





الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
الهوى وما أدراك ما الهوى، المفسد العظيم من مفسدات القلوب،
هو عن الخير صاد، وللعقل مضاد؛ لأنه ينتج من الأخلاق قبائحها،
ويظهر من الأفعال فضائحها
والهوى حجاب بين العبد وربه،
فيه حطت النار، واستحق به غضب الجبار،
وحرم أتباعه منازل الأبرار، ولهذا عظمت منزلة مخالفته،
فلم يجعل الله للجنة طريقاً غير مخالفته، ولم يجعل للنار طريقاً غير اتباعه،

قال الله تعالى:
" فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى *
وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى
"
[النازعـات:37-41]


قيل: هو العبد يهوى المعصية فيذكر مقام ربه عليه في الدنيا
ومقامه بين يديه في الآخرة فيتركها -أي المعصية- لله.
(
وإن جهاد النفس للهوى أعظم من جهاد الكفار)
قال رجلٌ للحسن :
يا أبا سعيد ! أي الجهاد أفضل؟ قال: جهادك هواك.
قال ابن القيم رحمه الله: وسمعت شيخنا يقول: جهاد النفس والهوى أعظم من جهاد الكفار والمنافقين،
فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولاً؛ حتى يخرج إليهم -أي: للكفار- وبدون جهاد الهوى والنفس
لا يمكن الخروج إلى جهاد الكفار، فلا بد أن ينتصر عليها أولاً.


فلابد من معرفة الهوى وأسبابه
وطرق التخلص منه وخطره
موقف الشرع منه
وسوف نتتظرق الى علاج الهوى







الهوى في الكتاب والسنة:
صاحب الهوى منه إما أن يكون محباً للخير حاضاً عليه، وإما مريداً للشر حاضاً عليه،
ونجد أن الله عز وجل يصف الهوى في أكثر الآيات للكفار:
وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا[الأنعام:150] ..
قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [الأنعام:56]..
وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ[المائدة:77]
أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِي
لاً
[الفرقان:43].
وجاء في الحديث الصحيح في الحوار بين حذيفة و عمر لما روى حذيفة رضي الله عنه حديث عرض الفتن على القلوب عوداً عوداً،
وكيف يصبح قلب المؤمن في النهاية بعد التمحيص أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض،
والقلب الآخر الذي نكتت فيه نكتة من المعصية على نكتة أخرى من معصية أخرى على ران يعلو القلب، قال:
(
والآخر أسود مرباداً كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه
)
فأضاف الهوى إلى القلب، وأضاف الله عز وجل الهوى دون أن ينقصه إلى الكفار لأن أهواءهم ليست على الحق
بخلاف المؤمن فإن هواه موافق للحق، وهذا هو الفرق بين المؤمن والكافر، فالكافر هواه كله باطل،
والمؤمن قد يرتقي هواه حتى يصير تابعاً لما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام،
فإذا مال إلى شيء كان ذلك الشيء سنة وطاعة وعلى أدنى الأحوال مباح..


وفي صحيح مسلم في قضية الأسرى بعد معركة بدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـأبي بكر وعمر -لوزيريه- مستشيراً:
(
ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ بهم الفدية
فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله عليه وسلم: ما ترى يا بن الخطاب؟
قلت: لا والله يا رسول الله! ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه،
وتمكني من فلان -نسيب لـعمر- فأضرب عنقه، فإن هؤلاء قمة الكفر وصناديدها، قال عمر:
فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت
).
إذاً: مال إلى قول الصديق ، وسماه هوى مع أنه أخذ به لمصلحة الإسلام في ظنه،
وليس لأجل اتباع الهوى المخالف للحق، فكان ذلك الاجتهاد من النبي عليه الصلاة والسلام وصاحبه:
نأخذ ما ننتفع به من المال منهم ليس لجيوبنا بل لمصلحة الإسلام، ولعل الله أن يهديهم فيموتوا على الإسلام بدلاً من أن نقتلهم على الكفر،
هوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر الصديق ، فنـزل القرآن مصوباً لرأي عمر رضي الله عنه؛
لأنه ليس له أي مدخل في الدنيا، وإنما ضرب الرقاب إثخاناً لهؤلاء الكفار لتنكسر شوكتهم،
وقدم على أخذ الأموال وإطلاق هؤلاء الذين ربما يعودون في الجيش القادم ضد المسلمين..



وقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة :
(
كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر،
والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش،
والرجل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه
)


وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
(
إن مما أخشى عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومضلات الهوى)
وهو حديث صحيح فقيد الهوى بمضلات.


قال شيخ الإسلام : "
ونفس الهوى والشهوة لا يعاقب عليها، بل على اتباعه والعمل به"
إذا صار يتبع شهوته في كل شيء، ويتبع الهوى في كل شيء فالعقوبة على الاتباع لا على نفس الشهوة
،
وهذا كلام دقيق موزون، فإذا كانت النفس تهوى وهو ينهاها كان نهيه عبادة لله وعملاً صالحاً،
وكان في جهاد:
وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى

[النازعـات:40-41]

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(
ثلاث مهلكات: شحٌ مطاع، وهوىً متبع، وإعجاب المرء )اتباع الهوى يطمس نور القلب ويصد عن الحق:

واتباع الهوى -والعياذ بالله- يطمس نور القلب ويصد عن الحق،
كما قال تعالى:
وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ص:26]

فاحذروا -رحمكم الله- من اتباع الهوى
والإعراض عن الهدى
وعليكم بالتمسك بالحق والدعوة إليه،
والحذر ممن خالفه
لتفوزوا بخيري الدنيا والآخرة.



 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بصمةالزوار
بارك الله فيكم